الشنقيطي
236
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إنهم يعطون حتى يقولوا : حسبنا حسبنا ، أي كافينا . قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ . اسم الإشارة منصب على مجموع الجزاء المتقدم ، وقد تقدم أنه للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهنا يقول : إنه لمن خشي ربه ، مما يفيد أن تلك الأعمال تصدر منهم عن رغبة ورهبة . رغبة فيما عند اللّه ، ورهبة من اللّه ، ومثله قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] ، وقوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 40 - 41 ] . والواقع أن صفة الخوف من اللّه تعالى ، هي أجمع صفات الخير في الإنسان ، لأنها صفة للملائكة المقربين . كما قال تعالى عنهم : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ * ( 50 ) [ النحل : 50 ] . وقد عم الحكم في ذلك بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [ الملك : 12 ] . وفي هذه الآية السر الأعظم ، وهو كون الخشية في الغيبة عن الناس ، وهذا أعلى مراتب المراقبة للّه ، والخشية أشد الخوف .